صورة تعبيرية مولّدة بالذكاء الاصطناعي
صورة تعبيرية مولّدة بالذكاء الاصطناعي
الإثنين 6 يوليو 2026 / 15:58

تشديد الإجازات المرضية في أوروبا.. معادلة صعبة بين صحة الموظف وضغط الاقتصاد

دفع الارتفاع القياسي في نسب الغياب المرضي للموظفين عدداً من دول الاتحاد الأوروبي لتعديل الإجراءات والقوانين المتعلقة بالإجازات المرضية بشكل رسمي، حيث تحوّل الأمر من مجرد أيام غياب عادية إلى عبء اقتصادي يكلّف الميزانيات العامة للدول مليارات الدولارات سنوياً، فضلاً عن هدر تكاليف باهظة في قطاع الرعاية الصحية.

الغياب عن العمل بسبب المرض قد يكلف الاقتصادات ما بين 1.5% و4% من الناتج المحلي الإجمالي سنوياً.

حصول العامل المريض على إجازته حق أصيل يحافظ على رأس المال البشري، إلا أن المشكلة تظهر عندما تتحمّل الشركات أجوراً ومرتبات لموظفين لا يؤدون عملاً دون وجود مرض حقيقي.

وتكشف بيانات رسمية عن تسجيل معدلات غياب غير مسبوقة لدى الموظف الأوروبي خلال السنوات الماضية؛ فقد بلغت في ألمانيا نحو 14.8 يوم سنوياً لكل عامل، مقارنة بالمتوسط الأوروبي العام البالغ 9.9 يوم سنوياً.

قرارات رقابية وتنظيمية

نظراً لكون معدلات الغياب المرضي في ألمانيا لا تزال الأعلى عالمياً، والأقوى تأثيراً في الاقتصاد، تعتزم الحكومة تشديد الإجراءات الخاصة بها، تتمثل في عدم اكتفاء الموظف بالإبلاغ الهاتفي عن المرض، بل ضرورة تقديم شهادة طبية بدءاً من اليوم الأول للغياب، إذ أدى استمرار دفع الأجور عن تلك الإجازات إلى تكبد الدولة خسائر تقترب من 100 مليار يورو.

وبدءاً من سبتمبر (أيلول) تطبق فرنسا قواعد جديدة، عبر تحديد مدة الإجازة المرضية الأولى بحد أقصى 31 يوماً، بينما لن تتجاوز كل فترة تمديد 62 يوماً، مع استمرار إمكانية منح مُدد أطول إذا استدعت الحالة الصحية ذلك.

بينما يظل الوضع أكثر دقة في إيطاليا منذ سنوات، إذ تطبق رقابة صارمة على الموظفين تسمح من خلالها للجهات المختصة بإجراء زيارات منزلية مفاجئة أثناء الإجازة المرضية، للتأكد من وجود الموظف والتزامه بالتعليمات الطبية، مع فرض عقوبات على المخالفين قد تصل إلى الفصل من العمل.

في المقابل، لم تتغير الإجراءات في هولندا تجاه تشديد شروط الحصول على الإجازة المرضية بقدر ما تركز على تشديد إجراءات إعادة التأهيل والعودة إلى العمل، وذلك من خلال إلزام صاحب العمل والموظف بوضع خطة لإعادة الاندماج في العمل تحت إشراف طبيب الشركة، مع استمرار صرف ما لا يقل عن 70% من الأجر لمدة عامين، مقابل التزام الموظف ببرنامج إعادة التأهيل.

وفي حديثه لـ24، يرى الخبير الاقتصادي سمير رؤوف أن تشديد الرقابة على الإجازات المرضية مبرر اقتصادياً إذا كان الهدف الحد من التمارض لا التضييق على المرضى الحقيقيين، موضحاً أن الإجازة حق يحفظ رأس المال البشري، لكن سوء الاستخدام يرفع تكاليف الشركات ويخفض الإنتاجية وينعكس سلباً على النمو الاقتصادي، خصوصاً في الاقتصادات الخدمية.

كلفة الهروب من المكاتب

وفق بيانات مكتب إحصاءات العمل الأمريكي، تتكبّد الشركات في الولايات المتحدة خسائر سنوية تُقدّر بنحو 225.8 مليار دولار نتيجة تراجع الإنتاجية المرتبط بالمشكلات الصحية للموظفين.

وبحسب تقديرات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، فإن الغياب المرضي وتراجع إنتاجية العاملين أثناء المرض، يؤديان إلى خسائر تعادل 2.4 مليون وظيفة بدوام كامل سنوياً في الاتحاد الأوروبي، مع انخفاض الناتج المحلي الإجمالي بنحو 313 مليار يورو سنوياً، أو ما يعادل 1.7% من الناتج.

وعلى المستوى العالمي، تشير تقديرات منظمة العمل الدولية إلى أن الغياب عن العمل بسبب المرض قد يكلف الاقتصادات ما بين 1.5% و4% من الناتج المحلي الإجمالي سنوياً.

لذلك يبقى التحدي الأكبر أمام أوروبا في تحقيق التوازن بين خفض الخسائر الاقتصادية الناتجة عن الغياب وحماية جاذبية سوق العمل، حتى لا تتحول الإصلاحات والتشديدات إلى عامل إضافي يدفع الكفاءات للبحث عن فرص أكثر تنافسية خارج القارة.