بعد أزمة الصيف.. هل تواجه أوروبا أزمة غاز في الشتاء؟
بعد أزمة الصيف.. هل تواجه أوروبا أزمة غاز في الشتاء؟
الأحد 5 يوليو 2026 / 13:42

بعد لهيب الصيف.. هل تواجه أوروبا أزمة غاز في الشتاء؟

بعد موجة حر شديدة اختبرت شبكات الكهرباء الأوروبية خلال الصيف الجاري، يتجه القلق الآن إلى الشتاء المقبل، حين تواجه القارة "الباردة تقليدياً" اختباراً جديداً في سوق الغاز، لا بسبب عودة الاعتماد على روسيا، بل لتراجع المخزونات، وضغوط الغاز المسال، واضطرابات الإمدادات.

صحيفة "فايننشال تايمز"، تؤكد أن أوروبا قد تدخل موسم التدفئة المقبل بمخزونات غاز عند أدنى مستوياتها في 15 عاماً، إذ يُتوقع أن تنهي خزانات الاتحاد الأوروبي موسم إعادة الملء عند 76% فقط من طاقتها، وهو أدنى مستوى منذ 2011 على الأقل، وبحسب الصحيفة، جاء ذلك بعد شتاء بارد ترك المخزونات عند 28% فقط، في وقت عطلت فيه حرب إيران تدفقات الغاز المسال عبر مضيق هرمز.

مشهد أوروبي مقلق

الصورة تبدو مقلقة بعض الشيء في ما يتعلق بالطاقة بأوروبا، لأن أحدث البيانات التي تصدر عن جمعية "مخزونات الغاز الأوروبية" (Gas Infrastructure Europe)، تكشف عن تراجع مستويات التخزين في دول التكتل إلى نحو 28% فقط بحلول الأول من أبريل/ نيسان 2026، وهذا الرقم لا يمثل مجرد تراجع عادي، ولكن يعيد التكتل إلى المربع الأول، مقترباً من المستويات الحرجة التي سبقت أزمة الطاقة الأخيرة.

وتوضح المفوضية الأوروبية، أن التخزين يُعد جزءاً أساسياً من أمن الإمدادات، إذ تلزم قواعد الاتحاد الأوروبي الدول التي تملك منشآت تخزين تحت الأرض بمسار ملء تدريجي يستهدف الوصول إلى مستوى 90% سنوياً، ولكنها أشارت في شهر مارس (آذار) الماضي إلى أن مستويات التخزين أقل من متوسط السنوات الخمس الأخيرة.

وبحسب البرلمان الأوروبي، جرى تعديل قواعد التخزين بحيث يمكن بلوغ هدف 90% في أي وقت بين الأول من أكتوبر/ تشرين الأول، والأول من ديسمبر/ كانون الأول، بدلاً من موعد ثابت في الأول من نوفمبر (تشرين الثاني)، مع السماح بانحراف يصل إلى 10 نقاط مئوية في ظروف السوق الصعبة، مثل الأسعار المرتفعة أو الاضطرابات التي تؤثر في تكلفة الملء.

لم تكن أزمة الطاقة الأوروبية هذا العام مرتبطة بالشتاء فقط، فوكالة "رويترز" للأنباء، تفيد بأن موجة حر ضربت غرب أوروبا في يونيو/ حزيران وخفضت إنتاج فرنسا النووي، بعدما أثرت الحرارة المرتفعة على مياه التبريد المطلوبة للمفاعلات. وبحسب بيانات شركة كهرباء فرنسا التي نقلتها الوكالة، جرى تقليص الإنتاج بنحو 4.1 غيغاواط، أو 7% من إجمالي الطلب على الكهرباء في منتصف النهار، بينما بلغت أسعار الكهرباء الفورية في فرنسا وألمانيا أعلى مستوياتها منذ منتصف يناير/ كانون الثاني 2025 مع اعتماد الأنظمة الكهربائية على توليد الغاز.

أزمة الحرب الإيرانية

وألقت الحرب الإيرانية بظلالها على أزمة الطاقة الأوروبية بعد اضطرابات الشحن عبر مضيق هرمز والصدمة الكبيرة التي شهدتها أسواق الغاز والغاز المسال، وتشير وكالة الطاقة الأوروبية في تقريرها للربع الثاني من العام الجاري إلى أن فقدان نحو 20% من إمدادات الغاز المسال العالمية تسبب في تقلبات سعرية قوية، ورفع أسعار الغاز في آسيا وأوروبا إلى أعلى مستوياتها منذ أزمة 2022 و2023.

كما تشير "رويترز" إلى أن مخزونات الغاز الأوروبية من المتوقع أن تصل إلى وضع حرج حال استمرار اضطراب الشحن عبر هرمز من شهر إلى 3 أشهر، ونقلت عن مسؤولين في شركة Equinor، أن المخزونات كانت في مايو/ أيار أعلى قليلاً من 35%، مقابل مستوى موسمي معتاد يقارب 50%، كما توضح أن أسعار الغاز الهولندية TTF بلغت في مارس/ آذار 74 يورو لكل ميغاواط/ ساعة، وهو أعلى مستوى منذ يناير 2023.

من يملأ فراغ روسيا في أوروبا؟

وفق بيانات المجلس الأوروبي، كانت النرويج أكبر مورد للغاز إلى الاتحاد الأوروبي في 2025 بحصة 30.9%، تليها الولايات المتحدة بحصة 26.2%، ثم شمال أفريقيا بـ12.7%، وروسيا بـ12.5%. كما يقول المجلس إن واردات الغاز الروسية عبر الأنابيب هبطت من 40% في 2021 إلى نحو 6% في 2025، لكن روسيا بقيت تمثل قرابة  12% من إجمالي واردات الغاز، عبر الأنابيب والغاز المسال معاً.

وتؤكد بيانات "يوروستات" أن الولايات المتحدة كانت أكبر مورد للغاز الطبيعي المسال إلى الاتحاد الأوروبي في 2025، بحصة 56%، تليها روسيا بـ13.9%. أما الغاز الطبيعي في حالته الغازية، أي عبر الأنابيب، فكانت النرويج المورد الأكبر بحصة 52.1%، أما روسيا بـ10.4%.

منافسة على الغاز المسال

على الرغم من الدور المتزايد للغاز الأمريكي، لا تبدو الشحنات مضمونة دائماً لأوروبا، وتشير "رويترز"، إلى أن حصة أوروبا من صادرات الغاز المسال الأمريكية هبطت في يونيو إلى أقل من النصف لأول مرة منذ نحو عامين، بعدما جذبت الأسعار الأعلى في آسيا، والطلب القياسي من مصر، مزيداً من الشحنات بعيداً عن أوروبا، ووفق بيانات مجموعة بورصة لندن (LSEG) التي نقلتها الوكالة، بلغ متوسط سعر الغاز الآسيوي الفوري 17.33 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية في يونيو، مقابل 13.19 دولار للمؤشر الأوروبي TTF.

وبحسب رويترز، بلغت صادرات الغاز المسال الأمريكية إلى أوروبا في يونيو 4.41 مليون طن، أو أقل بقليل من 42% من إجمالي الصادرات، مقارنة بـ5.13 مليون طن، أو أكثر قليلاً من 50% في مايو، كما نقلت الوكالة عن محللين أن بعض المشترين الأوروبيين ينتظرون أسعاراً أفضل، مع توقعات بزيادة المعروض العالمي لاحقاً.

روسيا تتراجع لكن لم تختفِ

تعمل مؤسسات الاتحاد الأوروبي على مسار تقليل الاعتماد على روسيا، وبحسب المجلس الأوروبي، فإن الاتحاد اعتمد في يناير الماضي لائحة تنص على حظر واردات الغاز الروسي المسال وعبر الأنابيب بدءاً من 18 مارس 2026، مع مراعاة وجود فترات انتقالية للعقود القائمة، على أن يتم حظر كل واردات الغاز من روسيا تزامناً مع نهاية 2027.

لكن معهد اقتصاديات الطاقة والتحليل المالي IEEFA يقول إن واردات أوروبا من الغاز المسال الروسي سجلت مستوى قياسياً فصلياً في الربع الأول من 2026، وبلغت 13% من واردات الغاز المسال الأوروبية، في وقت تسعى فيه بروكسل إلى التخلص التدريجي من الغاز الروسي.