رئيس الوزراء الكندي مارك كارني (رويترز)
السبت 19 سبتمبر 2026 / 16:33
تفتح فكرة منح كندا صفة "عضو مشارك" (Associate Membership) في الاتحاد الأوروبي، الباب أمام مستوى غير مسبوق من التكامل بين أوتاوا وبروكسل، في وقت تحاول فيه الحكومة الكندية توسيع أسواقها الخارجية، وتقليل المخاطر الناجمة عن اعتمادها الكبير على الولايات المتحدة، وسط تصاعد الخلاف التجاري مع واشنطن.
وبحسب "رويترز"، طرحت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين الفكرة أمام كندا لتصبح أول "عضو مشارك" في الاتحاد، فيما أكد رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، أن بلاده لا تسعى إلى عضوية كاملة، وإنما "تحالف فريد مع أوروبا".

ما هي "العضوية المنتسبة"؟
أفادت وكالة "أسوشيتد برس"، بأنه لا يوجد حالياً في قوانين الاتحاد الأوروبي أي تعريف قانوني نهائي لهذا الوضع، كما لا توجد دولة تتمتع به. وإذا اتفق الطرفان على الصيغة، ستكون كندا أول حالة من نوعها.
وتدور المناقشات حول علاقة تتخطى اتفاق التجارة الحرة "سيتا"، لتشمل تعاوناً أعمق في التجارة والطاقة والدفاع والذكاء الاصطناعي والمعادن الحيوية، بالإضافة إلى تسهيل حركة السلع والخدمات والعاملين في سلاسل الإمداد الاستراتيجية.
وتشير الوكالة إلى أن الصيغة المقترحة تختلف عن اتفاقات الشراكة (Association Agreements) التي أبرمها الاتحاد الأوروبي بأشكال مختلفة مع أكثر من 20 دولة، معظمها في حوض المتوسط، بهدف تعميق العلاقات الاقتصادية والسياسية والأمنية. وتعود جذور الأخيرة إلى معاهدة روما 1957، حين سمحت المادة 238 بإقامة شراكات مع دول ثالثة تقوم على حقوق والتزامات متبادلة.
ويستند طرح اليوم إلى المادة 217 من معاهدة عمل الاتحاد الأوروبي، بحسب قاعدة التشريعات الأوروبية "EUR-Lex"، لكن أياً من هذه الدول لا يتمتع بصفة "عضو مشارك" بالمفهوم المطروح حالياً مع كندا.
هل تصبح أوروبا الشريك الأول لكندا بعد الحرب التجارية مع أمريكا؟ - موقع 24لم تكن الولايات المتحدة بالنسبة إلى كندا مجرد شريك تجاري، بل السوق التي بُني حولها جزء واسع من اقتصادها لعقود. واهتزت هذه العلاقة عقب انهيار المفاوضات التجارية في أغسطس (آب) وأسفرت عن فرض واشنطن رسوماً 50% على سلع كندية بـ20 مليار دولار، لترد الأخيرة برسوم "دولار مقابل دولار" على منتجات ...
عقبات أمام النموذج الجديد
بحسب شبكة "بي بي سي"، قد تكون كندا أول دولة تحصل على هكذا وضعية "العضو المشارك". على أن الانتقال من الفكرة إلى اتفاق فعلي يواجه عقبات قانونية وسياسية، إذ ستحتاج أي صيغة رسمية إلى موافقة الدول الـ27، وسط تحفظات على منح دولة من خارج الاتحاد مزايا قريبة من العضوية الكاملة.
تجربة أوكرانيا
تبرز هذه المخاوف خصوصاً في فرنسا، إذ يخشى مسؤولون أن يتحول النموذج الكندي إلى سابقة تشجع قوى متشككة في الاتحاد على المطالبة بالخروج، مع الاحتفاظ بعلاقة وثيقة ومزايا اقتصادية واسعة.
وسبق أن طُرحت في مايو (أيار) الماضي فكرة منح أوكرانيا وضعاً مشابهاً، لكنها لم تحظ بتوافق أوروبي، فيما تمسكت كييف بهدف العضوية الكاملة، وفق الشبكة.
ماذا تضيف كندا للاتحاد؟
اقتصادياً، تُعد كندا شريكاً كبيراً عبر الأطلسي مقارنة بمعظم الدول المرتبطة باتفاقات شراكة مع الاتحاد. ووفق البنك الدولي، بلغ ناتج "أوتاوا" المحلي الإجمالي نحو 2.32 تريليون دولار في 2025، مقابل 21.24 تريليون دولار لدول الاتحاد الأوروبي مجتمعة؛ أي أن اقتصاد هذه الدولة التابعة للتاج البريطاني يعادل نحو 11% من اقتصادات الـ 27.
كما تبرز أهمية كندا في الطاقة والمعادن الحيوية والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وهي مجالات حددها الجانبان ضمن القطاعات التي يمكن توسيع التعاون فيها.

أمريكا تتقدم بفارق واسع
تظهر أرقام التجارة حجم الفجوة بين السوقين الأمريكية والأوروبية بالنسبة إلى كندا. فبحسب تقرير حالة التجارة 2026 الصادر عن وزارة الشؤون العالمية الكندية، صدرت كندا إلى الولايات المتحدة سلعاً وخدمات بقيمة 683.3 مليار دولار كندي في 2025 (488.8 مليار دولار أمريكي)، واستوردت منها 604.1 مليارات دولار كندي (432.2 مليار دولار أمريكي)، لتبلغ التجارة الثنائية نحو 1.29 تريليون دولار كندي (922.9 مليار دولار أمريكي)، أي أكثر من 7 أضعاف تجارتها مع الاتحاد الأوروبي.
وفي مؤشر آخر على عمق الارتباط بالسوق الأمريكية، استحوذت الولايات المتحدة على 71.7% من صادرات كندا السلعية في 2025، مقابل 75.9% في 2024، في حين ارتفعت صادرات كندا إلى بقية الأسواق 17.2%، وفق بيانات هيئة الإحصاء الكندية.
في المقابل، بلغت صادرات كندا إلى الاتحاد الأوروبي 67.7 مليار دولار كندي (48.4 مليار دولار أمريكي)، مقابل واردات بقيمة 110.6 مليارات دولار كندي (79.1 مليار دولار أمريكي)، لتصل التجارة الثنائية إلى نحو 178.3 مليار دولار كندي (127.6 مليار دولار أمريكي).
ورغم الفارق الكبير، تشهد العلاقات التجارية مع الاتحاد الأوروبي نمواً ملحوظاً، إذ ارتفعت الصادرات الكندية إليه 16.4% في 2025، مدفوعة بزيادة صادرات النفط الخام والمواد الأولية، فيما تشير المفوضية الأوروبية إلى أن تجارة السلع والخدمات بين الجانبين ارتفعت بنحو 80% منذ 2016، لتصل إلى 130 مليار يورو في 2025 (146.9 مليار دولار أمريكي ).
الرسوم تعجل بتنويع الشراكات
يأتي التقارب الكندي الأوروبي وسط خلاف تجاري حاد مع واشنطن. ووفق وزارة المالية الكندية، فرضت واشنطن رسوماً 50% على سلع كندية بقيمة 27.6 مليار دولار كندي في أغسطس (آب) الماضي، وردت أوتاوا برسوم بين 15% و 50% على منتجات أمريكية بالقيمة ذاتها.
وتشير شبكة "بي بي سي" إلى أن كندا ليست وحدها الساعية إلى علاقات أوثق مع أوروبا، إذ تبدي اليابان وكوريا الجنوبية، العملاقان الاقتصاديان في شرق آسيا، اهتماماً مماثلاً بتعميق التعاون مع الاتحاد.
وتتيح التجربة الكندية لبروكسل اختبار نموذج جديد للشراكة، مع دول ترغب في علاقة استراتيجية وثيقة دون الانضمام الكامل إلى الاتحاد، إذا نجحت في تجاوز العقبات القانونية والسياسية داخل الدول الـ27.
ولا تقتصر التحديات أمام الصيغة المقترحة على العقبات القانونية والسياسية داخل الاتحاد الأوروبي، إذ حذر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من أن الخطوة قد تُعد "عملاً عدائياً" إذا كانت موجهة ضد واشنطن، ولوّح بفرض رسوم إضافية على أوروبا، وفق رويترز.
في المقابل، تؤكد كندا والمفوضية الأوروبية أن التقارب يستهدف تعزيز المرونة الاقتصادية وتنويع سلاسل الإمداد، فيما يُنتظر اتضاح تفاصيل الصيغة خلال القمة الكندية الأوروبية بمونتريال في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل.