الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جي بينغ (أ ف ب)
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جي بينغ (أ ف ب)
السبت 26 سبتمبر 2026 / 13:19

قمة واشنطن.. كيف تُربك شراكة "بكين وطهران" حسابات أمريكا؟

كان الملف الإيراني الساخن حاضراً "تحت الطاولة" في القمة الأمريكية-الصينية بواشنطن الخميس إلى جانب قضايا جيوسياسية خلافية بين قطبي العالم المتواجهين. ورغم شح المعلومات ذات الصلة بهذا المسار الشائك، كشف السفير الأمريكي لدى بيكين ديفيد بيردو أن الرئيس دونالد ترامب طلب صراحة من نظيره الصيني شي جين بينغ خلال المحادثات وقفاً فورياً لأي مساعدات يُقدمها عملاق آسيا إلى إيران.

و​أكد بيردو في مقابلة مع شبكة سي إن بي سي: ​"أوضحنا لبكين بشكل قاطع أن أي دعم لإيران سواء كان مباشراً أو غير مباشر، أو في مجالات التسليح والاستخبارات هو أمر غير مقبول على الإطلاق. وهذا ما شدد عليه الرئيس ترامب مجدداً". وأشار إلى أن واشنطن فصلت تماماً بين الملف الإيراني وقضية تايوان، مؤكداً وجود إشارات إيجابية تدل على استجابة الجانب الصيني واهتمامه الجاد بالتحذيرات الأمريكية.

​في المقابل، دعت وسائل إعلام رسمية صينية إلى التهدئة، مشيرة إلى أن الرئيس شي حثّ ترامب على العودة لخطوات التهدئة ودعم المسار السياسي للوصول إلى اتفاق نووي شامل مع إيران، مؤكداً حرص الصين على استمرار حوار السلام بين جميع الأطراف المعنية.

لماذا تُعد هذه الخطوة محورية؟

​تتزايد المخاوف لدى المسؤولين الأمريكيين بشأن تزويد الصين لإيران بأنظمة دفاع جوي وقطع غيار لتصنيع الطائرات المسيرة. وفي الأسباب التفصيلية، تشير المصادر إلى استعانة طهران بصور وإحداثيات عالية الدقة من أقمار اصطناعية تجارية صينية لرصد واستهداف حاملات طائرات أمريكية. هذا التعاون السري دفع الجيش الأمريكي لمراجعة خططه وتعديل إجراءاته الميدانية لتعزيز حماية وسفنه البحرية.  

ويأتي ذلك بعد أن كشفت تقارير استخباراتية نقلتها شبكة سي إن إن الأمريكية، أن صور أقمار اصطناعية ودعم استخباراتي من جهات صينية ساهم في تمكين إيران من تهديد السفن في مضيق هرمز وشن ضربات دقيقة على قواعد عسكرية أمريكية في الشرق الأوسط.

وقالت المصادر: "إن صور الأقمار الاصطناعية سمحت لإيران باستهداف قاعدة أمريكية في الأردن في يوليو(تموز)، في ضربة أسفرت عن مقتل ثلاثة عسكريين أمريكيين، بدرجة من الدقة يعتقد مسؤولون أمريكيون أن إيران لم تكن قادرة على تحقيقها لولا ذلك.

وتُشكل الشراكة الاقتصادية والعسكرية والاستخباراتية بين بيكين وطهران عقبة رئيسة أمام جهود واشنطن لعزل إيران وخنق اقتصاداً بحراً، جواً وبراً، وتواجه الحملة الاقتصادية الصارمة التي تشنها الولايات المتحدة، تجاهل الصين،  الأمر الذي يحدّ من فاعلية هذه الضغوط، وفق موقع "أكسيوس".

و​تترقب الأوساط الدبلوماسية رد واشنطن الرسمي على المقترحات الأخيرة، في وقت تستمر فيه جهود وساطة قطرية مكثفة للوصول إلى نقاط تفاهم مشترك. 

 

روابط الاقتصاد تربك حسابات واشنطن

تُشكل الشراكة الاقتصادية والتجارية الوثيقة بين الصين و إيران عقبة أمام مساعي واشنطن لعزل طهران، إذ تعتمد الأخيرة بشكل كبير على المبيعات النفطية والتبادل التجاري مع بكين لتخفيف حدة العقوبات. 

ورغم الحملة الاقتصادية الصارمة والضغوط المكثفة التي تفرضها إدارة ترامب، فإن استمرار دعم الصين يحدّ من فاعلية العقوبات الأمريكية ويجعلها جزئية التأثير، ما يدفع واشنطن إلى اشتراط التعاون الكامل مع بكين لإنجاح استراتيجيتها الإقليمية.

وتعود الروابط الاقتصادية بين الصين وإيران إلى عام 1971، عقب تأسيس العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين البلدين. ثم شهدت تحولاً نوعياً في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي مع حاجة طهران للسلع والتكنولوجيا الصينية بعد فرض العقوبات الأمريكية على طهران عقب ثورة 1979، لتتوج هذا المسار الممتد بتوقيع "اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة" عام 2021 لمدة 25 عاماً، وهو الاتفاق الذي رسم خارطة طريق طويلة الأجل للاستثمار والتعاون الثنائي بين الجانبين.

ويمثل قطاع الطاقة العصب الحيوي لهذه الشراكة، إذ تستوعب الأسواق الصينية الجانب الأكبر من صادرات النفط الإيراني الخام عبر شبكات تجارية وآليات تسوية مالية باليوان لتفادي القيود الدولية. في المقابل، تُعد الصين المورد الرئيس للسوق الإيراني بالآلات، والتكنولوجيا، وقطع الغيار، والمنتجات البتروكيماوية، مما يمنح الاقتصاد الإيراني شريان إمداد مستمر يضمن استدامة قطاعاته الإنتاجية والحيوية.

قمة ترامب- شي.. استعراض للود وصراع خفي على النفوذ - موقع 24الطابع الكرنفالي الطاغي ظاهرياً على القمة الأمريكية-الصينية في واشنطن يخفي وراءه أعصاباً مشدودة ومقايضة مصالح ونفوذ وأوراق ضغط بين أكبر اقتصادين في العالم. ورشحت عن لقاء العملاقين معلومات محدودة ونتائج عملية مقتضبة، لتعكس حالاً من التهدئة الحذرة تستبطن خلافات جوهرية معقدة حول ملفات التجارة، الذكاء ...

ويتجاوز التعاون حدود التبادل التجاري التقليدي ليصل إلى الاستثمار الهيكلي؛ إذ ساهمت الشركات الصينية بشكل واسع في تطوير البنية التحتية الإيرانية، من شبكات النقل والمترو إلى الموانئ والمشاريع الصناعية. كما يشكل الموقع الجغرافي لإيران ركيزة محورية ضمن رؤية بكين لمبادرة "الحزام والطريق"، ما يجعل التنسيق الاقتصادي بين البلدين خياراً استراتيجياً يحقق التوازن بين مصالح الصين الجيوسياسية وحاجة إيران لاستمرار تدفق الاستثمارات.

وتُدرك الإدارة الأمريكية جيداً أن مفتاح شل الحركة الاقتصادية لإيران لابد أن يمر عبر بوابات بكين. وأنه بدون حافز صيني للحد من هذا التعاون الوثيق، ستبقى المحاولات الأمريكية مجرد ضربات جزئية لا تُحقق هدفها النهائي، ما يجعل موقف بكين المفتاح الحقيقي لنجاح جهود عزل طهران اقتصادياً.