مصفاة النفط الخام التابعة لشركة سينوبك جينلينغ للبتروكيماويات (أ ف ب)
مصفاة النفط الخام التابعة لشركة سينوبك جينلينغ للبتروكيماويات (أ ف ب)
الإثنين 28 سبتمبر 2026 / 09:17

الصين تعيد رسم موازين القوة في سوق النفط العالمية

أظهرت تداعيات الحرب مع إيران أن الصين باتت تملك قدرة استثنائية على التأثير في سوق النفط العالمية، بعدما تمكنت خلال عدة أشهر من خفض وارداتها من الخام بمقدار كبير، بما ساعد على الحد من ارتفاع الأسعار رغم واحدة من أكبر صدمات الإمدادات في تاريخ سوق الطاقة.

وبحسب مجلة "ذي إيكونوميست"، فإن الصين خفضت وارداتها من النفط الخام إلى النصف بين فبراير (شباط) ويونيو (حزيران)، بما يعادل نحو 5.5 مليون برميل يومياً، وهو حجم كافٍ، وفق تقديرات خبراء نقلتها المجلة، لخفض سعر خام برنت بنحو 30 دولاراً للبرميل أو أكثر.

واعتبرت المجلة أن هذا الانخفاض يمثل أكثر من نصف التراجع المسجل في الطلب العالمي خلال عمليات الإغلاق المرتبطة بجائحة كوفيد-19، عندما انخفض الطلب العالمي بنحو 9 ملايين برميل يومياً.

صدمة هائلة في الإمدادات

جاء هذا التحول في وقت تعرضت فيه سوق النفط العالمية لأكبر صدمة في الإمدادات النفطية، بعدما أدت الحرب إلى إغلاق مضيق هرمز أمام حركة الملاحة،  ورغم ذلك، لم تصل أسعار النفط إلى مستوى 150 دولاراً للبرميل الذي توقعه عدد من المحللين في بداية الصراع.

وساهمت عدة إجراءات حكومية في احتواء تداعيات الأزمة، أبرزها ضخ كميات إضافية من النفط عبر خطوط أنابيب تتجاوز مضيق هرمز، بنحو 5 ملايين برميل يومياً، إذ أفرجت واشنطن وطوكيو عن مستوى قياسي من المخزونات النفطية الطارئة بلغ نحو مليوني برميل يومياً، كما أدى تطبيق إجراءات ترشيد الاستهلاك في بعض الدول الأقل دخلاً إلى تقليص جزء من الطلب.

الصين تمتص فائض المعروض

لكن العامل الأكثر تأثيراً، وفق "ذي إيكونوميست"، جاء من بكين، التي قلصت مشترياتها من النفط الخام الأجنبي بنحو 5.5 مليون برميل يومياً. وأدى هذا الانخفاض الكبير في الطلب الصيني إلى امتصاص جانب مهم من تأثير تعطل الإمدادات، وساعد على منع أسعار النفط من الارتفاع إلى مستويات أعلى.

وتكتسب الخطوة الصينية أهمية خاصة لأنها لم تأت نتيجة انهيار اقتصادي أو ركود في الطلب المحلي. وأشارت المجلة إلى أن الاقتصاد الصيني واصل النمو خلال الفترة نفسها، ما يعني أن انخفاض واردات الخام لم يكن انعكاساً مباشراً لتراجع النشاط الاقتصادي.

قدرة تتجاوز أدوات أوبك

وتشير التطورات إلى تحول مهم في موازين القوة داخل سوق النفط العالمية، إذ أصبحت الصين، باعتبارها أكبر مستورد للخام، قادرة على التأثير في الأسعار ليس فقط من خلال حجم مشترياتها، وإنما أيضاً عبر قدرتها على تغيير مستويات الطلب بسرعة كبيرة.

وتكمن أهمية ذلك في أن منظمة البلدان المصدرة للبترول "أوبك" والدول المتحالفة معها تعتمد بصورة أساسية على إدارة جانب المعروض من السوق للتأثير في الأسعار، بينما أظهرت الصين خلال الأزمة قدرتها على التأثير من جانب الطلب بحجم يكفي لتغيير معادلة السوق العالمية خلال فترة قصيرة.

منع ارتفاع الأسعار

ولفتت "ذي إيكونوميست" إلى أن خفض الصين لوارداتها ساهم في تخفيف أثر الصدمة النفطية الناجمة عن الحرب، إذ أدى تراجع الطلب الصيني إلى موازنة جزء كبير من فقدان الإمدادات، ما ساعد السوق على تجنب ارتفاعات أكثر حدة في الأسعار.

وتعني هذه التطورات أن قدرة الصين على إدارة مشترياتها من الخام أصبحت عاملاً مؤثراً في استقرار السوق العالمية، خصوصاً مع ضخامة حجم استهلاكها واعتمادها على واردات النفط لتلبية جزء كبير من احتياجاتها.

الصين لاعب محوري في سوق النفط

وبحسب تحليل المجلة، فإن تجربة الحرب مع إيران كشفت أن الصين تستطيع، من خلال قرارات مرتبطة بالواردات، ممارسة تأثير على سوق النفط يمتد لأشهر، وهو ما يمنح بكين أداة اقتصادية ذات وزن عالمي.

ولا يعني ذلك أن الصين تحل محل المنتجين الكبار أو المنظمات النفطية في التحكم بالسوق، لكنه يبرز تغيراً في طبيعة موازين القوة، مع انتقال جزء متزايد من القدرة على التأثير في الأسعار إلى جانب الطلب، إذ أصبحت قرارات أكبر مستورد للنفط في العالم عاملاً حاسماً في تحديد اتجاهات السوق.

وتخلص "ذي إيكونوميست" إلى أن التطورات خلال الحرب أظهرت أن الصين تمتلك، عملياً، القدرة على المساهمة في استقرار سوق النفط العالمية بمفردها على مدى أشهر، وهي قدرة لا تستطيع قيادات أوبك سوى السعي إلى تحقيق تأثير مماثل لها عبر إدارة المعروض النفطي.