رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش (أ ف ب)
رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش (أ ف ب)
الإثنين 28 سبتمبر 2026 / 09:32

ورش يبحث عن مقياس أدق للتضخم الأمريكي

يواجه مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي تحدياً متجدداً في تحديد المسار الحقيقي للتضخم، مع تزايد الاعتماد على مؤشرات أكثر تفصيلاً وأسرع توقيتاً لمحاولة فصل الاتجاه المستدام للأسعار عن التحركات المؤقتة الناتجة عن صدمات محددة.

وبحسب مجلة "ذي إيكونوميست"، يراهن رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش على أن البيانات الاقتصادية الأسرع والأكثر تفصيلاً يمكن أن تساعد في تحديد معدل التضخم الأساسي، لكنه يواجه معضلة تتمثل في أن زيادة حجم البيانات لا تعني بالضرورة سهولة اكتشاف الاتجاه الحقيقي للأسعار.

درس من السبعينيات

وتستعيد المجلة تجربة آرثر بيرنز، رئيس الاحتياطي الفيدرالي في أوائل سبعينيات القرن الماضي، عندما واجه الاقتصاد الأمريكي سلسلة من صدمات العرض، وبدأ باستبعاد مكونات مختلفة من مؤشرات الأسعار اعتبرها مؤقتة أو مرتبطة بعوامل استثنائية.

وشملت تلك الاستبعادات في تلك الحقبة أسعار الطاقة بعد حظر النفط العربي، وأسعار الغذاء عقب انهيار محصول الأنشوجة في بيرو، قبل أن تمتد إلى السيارات المستعملة ومشتريات المنازل والمنازل المتنقلة، وحتى أسعار المجوهرات التي رُبط ارتفاعها آنذاك بـ«هوس الذهب». ومع استمرار التضخم في الارتفاع، أصبح البحث عن مقياس يعكس اتجاه الأسعار الأساسي أكثر صعوبة.

ورش يبحث عن مقياس أكثر دقة

بعد نحو نصف قرن، يواجه كيفن وورش التحدي ذاته المتمثل في تحديد مقياس يعكس الاتجاه الفعلي للأسعار. وأصبحت كلمة "الأساسي" من أكثر المفاهيم حضوراً في مقاربته للسياسة النقدية، في ظل بحثه عن مؤشرات يمكن الاعتماد عليها في قياس الضغوط التضخمية المستمرة.

ولا يعتمد وورش على المؤشر التقليدي للتضخم الأساسي الذي يستبعد أسعار الغذاء والطاقة، إذ يرى أنه يقدم تقديراً تقريبياً لمسار التضخم المستقبلي. وبدلاً من ذلك، يميل إلى استخدام متوسطات للأسعار تستبعد أكبر التحركات صعوداً وهبوطاً، إلى جانب مؤشرات تقيس مدى انتشار ارتفاع الأسعار بين فئات السلع والخدمات المختلفة.

اتساع نطاق ارتفاع الأسعار

وفي 16 سبتمبر (أيلول)، أشار وورش إلى أن نسبة كبيرة من فئات الأسعار تسجل زيادات تتجاوز 3% على مدى 6 أو 12 شهراً، معتبراً أن اتساع نطاق ارتفاع الأسعار يمثل عاملاً مهماً عند تقييم اتجاه التضخم.

وجاء ذلك في سياق قرار الاحتياطي الفيدرالي رفع أسعار الفائدة للمرة الأولى منذ ثلاثة أعوام، في خطوة تعكس أهمية تقييم الضغوط السعرية المستمرة بدلاً من التركيز على تحركات مؤقتة في مكونات محددة من مؤشر التضخم.

البيانات الأكثر تفصيلاً

ويسعى وورش أيضاً إلى تحسين أدوات قياس التضخم من خلال فريق عمل مكلف بالبحث عن إشارات اقتصادية أكثر سرعة ودقة. ويعكس ذلك رغبة في تقليص الفجوة الزمنية بين ظهور تغيرات الأسعار وقدرة صانعي السياسة النقدية على رصدها وتحليلها.

لكن الاعتماد على بيانات أكثر تفصيلاً لا يحل تلقائياً مشكلة تحديد الاتجاه الأساسي للتضخم. فكلما زاد عدد الأسعار والمؤشرات المتاحة، يصبح من الضروري التمييز بين التحركات التي تعكس اتجاهاً واسعاً ومستداماً وتلك الناتجة عن صدمات مؤقتة أو عوامل خاصة بقطاع معين.

معضلة التضخم الأساسي

تكمن المشكلة، بحسب المجلة، في أن التضخم لا يتحرك دائماً وفق مسار واضح يمكن استخلاصه بسهولة من البيانات. فقد ترتفع بعض الأسعار بصورة حادة بسبب صدمة مؤقتة، بينما تستمر أسعار أخرى في الارتفاع بوتيرة أكثر ثباتاً، ما يجعل اختيار العناصر التي ينبغي إدراجها أو استبعادها من المؤشر مؤثراً في قراءة الاقتصاد.

ويعني ذلك أن محاولة الوصول إلى "معدل التضخم الحقيقي" قد تؤدي، إذا أسيء استخدامها، إلى استبعاد أجزاء مهمة من حركة الأسعار بدلاً من عزل الضوضاء الإحصائية عنها.

اختبار السياسة النقدية

وتكتسب دقة قياس التضخم أهمية مباشرة بالنسبة إلى السياسة النقدية، لأن تقدير الاتجاه الأساسي للأسعار يؤثر في تقييم الحاجة إلى تغيير أسعار الفائدة. ويواجه الاحتياطي الفيدرالي بذلك مفاضلة بين التحرك سريعاً استناداً إلى إشارات أولية، والانتظار للحصول على صورة أوضح عن الاتجاه المستدام للأسعار.

وتظل زيادة كمية البيانات المتاحة عاملاً مساعداً، لكنها لا تضمن وحدها الوصول إلى قراءة أكثر دقة للتضخم. فالتحدي لا يتعلق فقط بجمع أرقام أكثر، وإنما بتحديد أي منها يعكس الاتجاه الاقتصادي المستدام وأيها يمثل صدمة مؤقتة.