صورة من "pexels"
الأربعاء 21 أكتوبر 2026 / 16:52
لم يعد خاتم الخطوبة المرصّع بالألماس الطبيعي الخيار الأول بالضرورة أمام المقبلين على الزواج، فالألماس المصنع في المختبرات يغيّر قواعد المنافسة في سوق المجوهرات، مقدّماً بريقاً مماثلاً بأسعار أقل بكثير، في تحول يعيد تشكيل قرارات الشراء ويضع نموذج أعمال القطاع أمام اختبار اقتصادي جديد.
وتكشف بيانات شركة "BriteCo" الأمريكية المتخصصة في تأمين المجوهرات عن تسارع هذا التحول، إذ ارتفعت حصة خواتم الخطوبة الجديدة المرصّعة بالألماس المخبري ضمن تقييمات الشركة من 5.9% عام 2019 إلى 51% خلال النصف الأول من عام 2026، لتتجاوز بذلك نصف الخواتم التي شملتها البيانات.
لكن صعود الألماس المخبري لا يعني بالضرورة انتعاش أرباح الشركات العاملة فيه. فمع توسع الإنتاج واشتداد المنافسة، تتراجع الأسعار، ما يطرح معادلة اقتصادية معقدة: كيف يمكن تحويل الانتشار المتسارع إلى أرباح مستدامة في سوق تتآكل فيها قيمة المنتج؟ وبين المستهلكين الباحثين عن بدائل أقل كلفة والشركات التي تراهن على نمو الطلب، يبرز سؤال جوهري حول المستفيد الأكبر من هذا التحول، وما إذا كان الألماس المخبري يعيد توزيع الأرباح داخل صناعة المجوهرات أم يضغط على هوامشها.
ألماس حقيقي بسعر أرخص
الألماس المخبري حقيقي تماماً من حيث تركيبته الكيميائية وخصائصه الفيزيائية والبصرية، وليس مجرد تقليد زجاجي.
ويُنتج داخل المختبرات بتقنيتين رئيسيتين؛ الضغط والحرارة المرتفعين (HPHT)، والترسيب الكيميائي للبخار (CVD)، الذي يعتمد على ترسيب ذرات الكربون فوق بذرة ألماس حتى ينمو. وساعد تطور تقنيات الإنتاج على خفض تكاليفه وزيادة المعروض منه بشكل كبير.
وبحسب بيانات BriteCo، انخفض السعر الوسيط لخاتم الخطوبة المصنع بالكامل من 4,622 دولاراً في 2019 إلى 2,015 دولاراً في النصف الأول من 2026، مقابل 8,703 دولارات للقيراط من الألماس الطبيعي الخام.
في المقابل، ارتفع الحجم المعتاد للحجر المركزي في هذه الخواتم المصنعة ليصل إلى 2.25 قيراط في 2026، ما يعني أن المستهلك أصبح يحصل على حجر أكبر حجماً بأقل من نصف السعر.

الألماس المخبري ليس للمجوهرات فقط
وأمام التراجع المستمر في أسعار خواتم الخطوبة، لم يكن أمام المصانع خيار سوى البحث عن طوق نجاة جديد؛ إذ لم تعد تراهن على الخواتم وحدها لضمان البقاء؛ بل بدأت بتنويع منتجاتها والتوسع في قطاعات أخرى من المجوهرات.
وتكشف بيانات BriteCo أن الألماس المصنع استحوذ على حصص ملحوظة من أسواق أخرى؛ حيث دخل في صناعة نحو 39% من الأقراط و20% من الأساور المبيعة، مع التركيز على التصميمات المبتكرة والأحجار الملونة، كالوردي والأزرق والأصفر، لجذب فئات جديدة من المشترين.
لكن التحول الأبرز والأكثر ذكاء يكمن في غزو الألماس المصنع لعالم التكنولوجيا الفائقة؛ فالألماس ليس مجرد أداة للزينة، بل يتمتع بقدرة عالية على توصيل الحرارة، ما يجعله مناسباً لتطبيقات متخصصة في تبديدها.

واستفادت الشركات من هذه الخاصية في تطوير رقاقات ألماس تُستخدم في تطبيقات إلكترونية متخصصة للمساعدة على تبديد الحرارة الناتجة عن المعالجات والشرائح الإلكترونية، إلى جانب تطبيقات محتملة في قطاع السيارات الكهربائية.
ويشهد هذا السوق الصناعي نمواً سريعاً؛ فصادرات الألماس المخبري قفزت عبر بورصة شنغهاي إلى 210 ملايين دولار، مسجلة زيادة سنوية بلغت 65.3%.
من المستفيد الحقيقي؟
وعلى صعيد المجوهرات، يبدو الفارق في التكلفة صادماً للمقبلين على الزواج؛ ففي عام 2025، كان العريس الذي يتمسك بشراء خاتم من الألماس الطبيعي يدفع في المتوسط 12,961 دولاراً، بينما بلغت تكلفة الخاتم المصنع معملياً 4,557 دولاراً فقط؛ ما يعني أن اختيار البديل المصنع يوفر للمستهلك أكثر من 8,400 دولار وفق هذين المتوسطين.
لكن المهندس سعيد إمبابي، رئيس منصة "آي صاغة"، يوضح في تصريحات خاصة لـ"24" أن انخفاض سعر الشراء لا يجعل المستهلك المستفيد الأكبر على المدى الطويل؛ إذ أن تراجع السعر السوقي للألماس المصنع يصعب معه الاحتفاظ بجزء معتبر من قيمته عند إعادة البيع.
ويوضح إمبابي أن انخفاض تكلفة إنتاج أحجار جديدة واتساع المعروض يوسعان الفارق بين سعر الشراء الأصلي والقيمة التي يمكن الحصول عليها في السوق الثانوية.
لذلك، ينبغي ألا يرتبط قرار شراء المجوهرات بالمظهر والسعر وحدهما، بل بمدى الاحتفاظ بالقيمة وإمكانية إعادة البيع.
في المقابل، لا يمثل الألماس الطبيعي استثماراً مضموناً بالكامل، وإن كانت ندرته ومكانته التاريخية والتجارية تمنحانه عوامل تمايز؛ إذ تعتمد إعادة البيع في النوعين على مواصفات الحجر والطلب وشروط البيع.

على الجانب الآخر، يعيش أصحاب محلات المجوهرات أزمة حقيقية مع بضاعتهم المخزنة؛ إذ تكشف تقارير المحلل العالمي لسوق الألماس، بول زيمنسكي، أن أسعار شراء الألماس المصنع بالجملة انهارت بنحو 90% خلال السنوات الماضية.
هذا الهبوط الحاد يضع التجار في مأزق؛ فبينما يساعدهم انخفاض الأسعار على جذب مزيد من الزبائن، يلتهم التراجع المستمر لأسعار الألماس المصنع قيمة البضائع الموجودة داخل خزائنهم، ويُفقد المحلات حماسها لبيع منتج يفقد قيمته يوماً بعد يوم.

كيف ستحقق الشركات أرباحاً في المستقبل؟
بدوره، يشير المهندس لطفي المنيب، نائب رئيس شعبة الذهب المصرية، في تصريحاته لـ"24"، إلى أن سوق الألماس المصنع تنتقل تدريجياً من الربحية المرتفعة إلى المنافسة السعرية والإنتاج واسع النطاق.
ويؤكد المنيب أن الحفاظ على الأرباح يتطلب خفض تكاليف الإنتاج، وتحسين كفاءة التشغيل، والاستثمار في التكنولوجيا، إلى جانب تطوير التصميمات وبناء علامات تجارية تمنح المنتج قيمة مضافة، بدلاً من الاعتماد على بيع الأحجار الخام وحدها.
وتوقع المنيب خروج بعض المنتجين الأقل كفاءة بالتزامن مع دخول منتجين جدد يستفيدون من تطور التكنولوجيا وانخفاض التكاليف، موضحاً أن المنافسة ستصب في مصلحة الشركات الأقدر على تقديم منتجات ذات قيمة مضافة، وليس بالضرورة الأكثر إنتاجاً.