علما كندا وأمريكا (رويترز)
علما كندا وأمريكا (رويترز)
الجمعة 18 سبتمبر 2026 / 16:12

من الغزو إلى الشراكة ثم الصدام مجدداً.. قرنان من العلاقة "المضطربة" بين كندا وأمريكا

لم تبدأ العلاقة بين كندا والولايات المتحدة بالشراكة "الاستثنائية" التي تجمعهما اليوم. فعلى امتداد الحدود التي تعبرها حالياً سلع وبضائع بمليارات الدولارات، دارت قبل أكثر من قرنين معارك ومحاولات غزو ونزاعات على الأراضي، قبل أن تتحول الجغرافيا التي كانت يوماً ساحة للصراع إلى ركيزة لواحدة من أكثر العلاقات الاقتصادية والسياسية تشابكاً في العالم.

ومع تأسيس اتحاد "دومينيون كندا" 1867 بموجب قانون أمريكا الشمالية البريطانية، بدأت العلاقة مع الولايات المتحدة تأخذ تدريجياً طابعاً أكثر مؤسسية، رغم بقاء السياسة الخارجية الكندية مرتبطة بلندن.

تعود البدايات المضطربة إلى ما قبل قيام كندا بصورتها الحديثة. ففي 1775، وخلال الثورة الأمريكية (حرب الاستقلال الأمريكية)، عبرت قوات المستعمرات الأمريكية إلى الأراضي الكندية وسيطرت على مونتريال، قبل أن تفشل في الاستيلاء على مدينة كيبيك وتتراجع لاحقاً، وفق معلومات أوردتها "بي بي سي". 

محاولة أمريكا السطيرة على كندا 

وبعد أربعة عقود، تجدد الصدام في حرب 1812 المعروفة بـ"الحرب المنسية"، بين الولايات المتحدة وبريطانيا. وهي محاولة أمريكية فاشلة للسيطرة على أجزاء من كندا، في مقابل إخفاق بريطانيا في فرض حصار كامل على الولايات المتحدة وتحقيق هدفها بإنشاء منطقة عازلة للسكان الأصليين بين الأراضي الأمريكية وكندا. 

لكن انتهاء حرب 1812 بدأ يرسم علاقة مختلفة على جانبي الحدود. ففي 1817، أبرمت الولايات المتحدة وبريطانيا، التي كانت كندا آنذاك تحت سيادتها، اتفاقية "راش-باغوت"، للحد من التسلح البحري في البحيرات العظمى وبحيرة شامبلين. قبل ترسيم جزء واسع من الحدود على خط العرض 49 عام 1818، بحسب "Grateful American Foundation". 

ومع تأسيس اتحاد "دومينيون كندا" 1867 بموجب قانون أمريكا الشمالية البريطانية، بدأت العلاقة مع الولايات المتحدة تأخذ تدريجياً طابعاً أكثر مؤسسية، رغم بقاء السياسة الخارجية الكندية مرتبطة بلندن.

مراحل استقلال كندا 

وجاء تطور استقلال كندا على مراحل فعام 1927، أقامت الولايات المتحدة علاقات دبلوماسية مباشرة معها، قبل أن يمنحها قانون وستمنستر 1931 استقلالاً تشريعياً واسعاً عن بريطانيا. واكتمل المسار الدستوري في 1982، عندما نُقلت سلطة تعديل الدستور من البرلمان البريطاني إلى كندا، لتصبح البلاد مستقلة دستورياً بصورة كاملة. 
وأما 1909 شكل محطة مهمة بين البلدين، عندما أُبرمت "معاهدة مياه الحدود" لتنظيم استخدام المياه المشتركة وإنشاء اللجنة الدولية المشتركة، في نموذج مبكر لإدارة الملفات العابرة للحدود بعيداً عن المواجهة.  

بعيداً عن واشنطن.. كندا تطلب الانضمام إلى قوة عسكرية بقيادة بريطانيا - TRT  عربيوجرت الحرب العالمية الثانية البلدين إلى مستوى أعمق من التعاون الأمني. ففي 1940، بحث الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت ورئيس الوزراء الكندي ماكنزي كينغ الدفاع المشترك عن القارة، قبل تطور تلك الشراكة خلال الحرب الباردة إلى إنشاء قيادة دفاع جوي مشتركة.
وفي 1958، أُنشئت رسمياً قيادة دفاع الفضاء الجوي لأمريكا الشمالية "NORAD"، لتصبح الولايات المتحدة وكندا شريكتين في مراقبة المجال الجوي والدفاع عن أمريكا الشمالية ضمن قيادة ثنائية مشتركة لا تزال قائمة حتى اليوم.  

التجارة تربط ما وحّدته الجغرافيا

لكن التحول الأكبر جاء من الاقتصاد، ففي 1965 دخل اتفاق منتجات السيارات حيز التنفيذ، وبدأ في تعميق تكامل صناعة المركبات بين جانبي الحدود. ثم دخلت اتفاقية التجارة الحرة الكندية-الأمريكية حيز التنفيذ في 1989، وأزالت تدريجياً الرسوم وعدداً من الحواجز التجارية. 

هل تصبح أوروبا الشريك الأول لكندا بعد الحرب التجارية مع أمريكا؟ - موقع 24لم تكن الولايات المتحدة بالنسبة إلى كندا مجرد شريك تجاري، بل السوق التي بُني حولها جزء واسع من اقتصادها لعقود. واهتزت هذه العلاقة عقب انهيار المفاوضات التجارية في أغسطس (آب) وأسفرت عن فرض واشنطن رسوماً 50% على سلع كندية بـ20 مليار دولار، لترد الأخيرة برسوم "دولار مقابل دولار" على منتجات ...

وفي 1994، توسعت المنظومة بانضمام المكسيك إلى اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية "نافتا"، قبل أن تحل محلها في يوليو (تموز) 2020 اتفاقية الولايات المتحدة والمكسيك وكندا "USMCA". وعلى امتداد هذه المراحل، لم تعد التجارة مجرد تبادل لمنتجات نهائية، بل أصبحت المصانع وسلاسل التوريد والاستثمارات موزعة بين جانبي الحدود. 
وتظهر الأرقام الحديثة حجم ما صنعته هذه العقود. ففي 2024، عبر الحدود يومياً ما يقارب 3.6 مليار دولار كندي من السلع والخدمات، وفق بيانات صادرة عن الحكومة الكندية. 
وتعد الولايات المتحدة أكبر شريك تجاري لكندا، في حين تأتي كندا ثاني أكبر شريك تجاري للولايات المتحدة، إلى جانب كونها أكبر مورد أجنبي للطاقة إلى السوق الأمريكية.