ثروة داخل المعادن المستخرجة من الأجهزة الإلكترونية (رويترز)
الأربعاء 5 أغسطس 2026 / 17:44
لم تعد الهواتف وأجهزة الكمبيوتر القديمة مجرد نفايات إلكترونية، بل تحولت إلى "مناجم حضرية" غنية بالذهب والنحاس والمعادن النادرة القابلة لإعادة التدوير، ما يمنحها قيمة اقتصادية متزايدة كمصدر للمواد الخام التي تعتمد عليها الصناعات الحديثة.
يؤكد الخبير الاقتصادي سمير رؤوف لـ"24" أن استخلاص المعادن يعتمد على تقنيات متخصصة ومحاليل كيميائية تفصل كل معدن لإعادة استخدامه وفق احتياجات الصناعة، بما يتوقف على كفاءة التكنولوجيا ومنظومة المعالجة.
يحذر الدكتور محمد عزام، خبير التكنولوجيا وأمن المعلومات، في تصريحات خاصة لـ"24"، من أن حذف الملفات بالطريقة التقليدية لا يزيل البيانات نهائياً، إذ يمكن استعادتها باستخدام برامج متخصصة.
وتعود أهمية هذه المعادن لخصائصها الصناعية التي تدخل في تصنيع الدوائر الإلكترونية وأشباه الموصلات وبطاريات السيارات الكهربائية وتقنيات الطاقة النظيفة
فجوة عالمية بمليارات الدولارات
أنتج العالم، بحسب دراسة حديثة، 62 مليون طن متري من النفايات الإلكترونية، بينما لم يُجمع ويُعد تدويره رسمياً سوى 22.3% منها.
وتشير التوقعات إلى ارتفاع حجم النفايات الإلكترونية إلى 82 مليون طن متري بحلول عام 2030، مع تراجع معدل الجمع وإعادة التدوير الرسمي إلى 20% إذا استمرت الأوضاع الحالية، ما قد يؤدي إلى ضياع مواد خام قيّمة تقدر قيمتها بـ40 مليار دولار سنوياً.
وتوضح الدراسة أن احتفاظ الأفراد بالأجهزة الإلكترونية القديمة داخل المنازل يحرم سلاسل الإمداد من مصدر مهم للمواد الخام الثانوية، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى استعادة المعادن النادرة وتقليل الاعتماد على التعدين التقليدي.
وتكتسب المعادن المستخرجة من الأجهزة الإلكترونية القديمة أهمية متزايدة، مع توسع اعتماد الصناعات الحديثة على المواد الخام المستردة في عمليات التصنيع.

مرحلة ما بعد الاستخراج
ولا تنتهي قيمة المعادن الموجودة داخل الأجهزة الإلكترونية عند مرحلة استخراجها، إذ تبدأ بعدها رحلة جديدة داخل سلاسل الإنتاج، لتتحول إلى مدخلات تستخدم في صناعات تكنولوجية متقدمة.
ويقول الدكتور سمير رؤوف، الخبير الاقتصادي، في تصريحات خاصة لـ"24"، إن المعادن المستخلصة من النفايات الإلكترونية تدخل في تصنيع الألواح الشمسية وبطاريات السيارات الكهربائية وأشباه الموصلات، بما يعزز مفهوم الاقتصاد الدائري عبر إعادة توظيف المواد نفسها في صناعات جديدة بدلاً من الاعتماد على استخراج خامات جديدة.
المناجم الحضرية بين الهدر والتدوير
فيما توضح الدراسة الإمكانات الاقتصادية للنفايات الإلكترونية عالمياً، يختلف واقع الاستفادة منها بين الدول بحسب مستوى التصنيع والبنية التحتية لقطاع إعادة التدوير.
وفي هذا الصدد، يشير سمير رؤوف إلى أن أغلب الدول العربية ليست دولاً مصنعة أو مبتكرة للتكنولوجيا بقدر ما هي أسواق مستهلكة ومجمعة لها، وهو ما يخلق فجوة أمام دمج النفايات الإلكترونية ضمن اقتصاد رسمي منظم، رغم امتلاكها خبرة جيدة في إعادة تدوير المعادن والبلاستيك ضمن قطاعات الاقتصاد الدائري التقليدية.

وتبرز تجربة الإمارات كاستثناء واضح عن هذا النمط إقليمياً، بعدما طورت منظومة رسمية متكاملة لإدارة النفايات الإلكترونية بقيادة وزارة التغير المناخي والبيئة، وبالتعاون مع "تدوير" في أبوظبي وبلدية دبي، عبر منشآت معتمدة تعالج أكثر من 162 ألف طن سنوياً، لتقدم نموذجاً منظماً يختلف عن الاقتصاد غير الرسمي السائد في أجزاء واسعة من المنطقة.
من ناحية أخرى، يؤكد الخبير الاقتصادي أن التسعير العادل، إلى جانب ضمان محو البيانات نهائياً، يمثلان أبرز الحوافز لتشجيع الأفراد على تسليم أجهزتهم بدلاً من بيعها بأسعار متدنية لتجار الخردة، مشيراً إلى أن مخاوف تسرب الصور والبيانات الشخصية قد تفوق اهتمام كثيرين بقيمة الجهاز نفسها.
ويضيف أن الاحتفاظ بالأجهزة القديمة لا يسبب خسائر اقتصادية مباشرة بقدر ما يهدر موارد استراتيجية مثل الليثيوم وغيره من المعادن المهمة، ويزيد الأعباء البيئية الناتجة عن استخراج خامات جديدة.
من الهواتف القديمة إلى "الذهب الرقمي".. عندما تحول الإمارات النفايات الإلكترونية إلى ثروة مستدامة - موقع 24بينما تتسابق الدول لتأمين احتياجاتها من المواد الخام والمعادن الاستراتيجية، تتجه الإمارات إلى مصدر مختلف للموارد لا يوجد في المناجم أو المحاجر، بل داخل ملايين الهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر والأدوات الإلكترونية التي تنتهي صلاحيتها كل عام.
حماية البيانات شرط أساسي
ورغم القيمة الاقتصادية الكبيرة للمعادن الموجودة داخل الأجهزة القديمة، تبقى حماية البيانات الشخصية أحد أبرز التحديات أمام توسيع إعادة الاستخدام وإعادة التدوير.
وفي هذا الشأن، يحذر الدكتور محمد عزام، خبير التكنولوجيا وأمن المعلومات، في تصريحات خاصة لـ"24"، من أن حذف الملفات بالطريقة التقليدية لا يزيل البيانات نهائياً، إذ يمكن استعادتها باستخدام برامج متخصصة.

ويوصي قبل التخلص من أي جهاز بالاحتفاظ بنسخة احتياطية من البيانات، وتسجيل الخروج من جميع الحسابات، واستخدام أدوات المسح الآمن، ثم تنفيذ إعادة ضبط المصنع، مؤكداً أن شركات إعادة التدوير مطالبة بتطبيق معايير مثل ISO 27001 وR2 وe-Stewards، وإصدار شهادات تؤكد حذف البيانات بشكل نهائي، بما يعزز ثقة المستهلكين ويدعم توسع تدوير المناجم الحضرية.